المقريزي
212
إمتاع الأسماع
حين قالت : أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي ، الرؤيا الصادقة في النوم . . . الحديث . وكانت الحكمة في ذلك ، التدرج له ، والتسهيل عليه ، لضعف القوى البشرية . وأما بعد تحقق البعثة والوحي إليه ، تركه الله ما شاء أن يتركه ، ثم أسرى به يقظة ، واستدل لذلك ، ثم قال : أول ما أسرى به يقظة كان إلى بيت المقدس ، وقد جاءت أحاديث تدل على ذلك ، ثم تارة عرج به إلى السماوات ، ولم يأت فيها بيت المقدس ، وهو ظاهر حديث أنس [ رضي الله عنه ] ، عن مالك بن صعصعة ، فوقع كل منهما مفردا . ثم جمع له الأمر ، أن في ليلة أخرى أسرى به إلى بيت المقدس ، ورفع منه إلى السماء ، وهو ظاهر حديث ثابت عن أنس [ رضي الله عنه ] ، ويجوز أن تكون هذه الحالة وقعت ثانية ، لأنه كان عليه السلام قد تأنس به لإسرائه إلى بيت المقدس ، فكرر عليه ذلك ، وتمم بصعوده إلى السماء ، ثم لما تأنس بصعوده إلى السماء ، استغنى عن توسط بيت المقدس ، فرفع من مكة إلى السماء ، والأحاديث على اختلافها لا تخرج عن هذه الأحوال ، فنزل على كل حال ما يليق بها منها ، وبعض ذلك ظاهر ، وبعضه فيه خفاء . ويدل على أن الإسراء وقع مرارا ، اختلاف رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لموسى ، فإنه أخبر مرة أنه رآه قائما يصلي في قبره ، ومرة أنه صلى بيت المقدس بجماعة من الأنبياء ، وذكر موسى منهم ، ومرة قال : إنه رآه في السماء السادسة ، وفي حديث آخر رآه في السماء السابعة . وعلى ذلك أيضا ، يحمل [ الاختلاف ] في وقته ، فقيل : في رمضان ، وقيل : في ربيع الأول ، وقيل : في رجب والكل صواب إن شاء الله تعالى . ثم إنه ظاهر في بعض الأحاديث ، أنه صعد إلى السماء على ظهر البراق ، كما في حديث مالك بن صعصعة .